فلسفة “ويليام بن” وحتمية التغيير في مصر

كتب المفكر الانجليزي “ويليام بن” في تأملاته حول طبيعة الوجود: “لا يمكن أن تقوم ثورة بدون موت؛ لأن التغير يفترض ذوبان شكل معين، من أجل تعاقب شكل آخر.” ورغم أن “بِن” كان يتحدث عن انتقال الروح، إلا أن منطقه يكشف عن قانون كوني: لا يمكن للحياة الحقيقية أن تزدهر حيث ترفض الأشكال الهشة والمستبدة أن تتنحى.
في مصر الحديثة، وتحت وطأة النظام الحالي، تواجه الأمة أزمة في “الجوهر”. فعندما يصبح النظام قائماً على ما تصفه “منظمة هيومن رايتس ووتش” بأنه “حالة استثناء” مستمرة— حيث الاعتقالات التعسفية الجماعية، والتعذيب الممنهج لكل صوت معارض، وسحق كل أشكال المعارضة—فإنه يتحول إلى “هيكل ميت” يمنع ولادة مجتمع حي.
رؤية وليام “بِن” تتلخص في أن “الموت هو طريق الحياة وشرطها”. ولكي تستعيد مصر إمكاناتها، يجب أن يذوب الشكل الحالي الذي يتسم بإسكات الأصوات والاضطهاد الممنهج للأقليات.

وبينما يستخدم النظام العسكرى الغاشم خطاب “المواطنة” و”الوحدة” للاستهلاك الإعلامي، فإن تقارير “منظمة العفو الدولية” و “اللجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية” تكشف واقعاً مريراً؛ حيث يُعامل الأقباط والأقليات الأخرى كأوراق ضغط سياسي و ادوات لتحقيق اغراضة و المساومة على اهدافه . فرغم بناء الكاتدرائيات الكبرى،تظل الامور على ارض الواقع مرة بـ “جلسات الصلح العرفية” التي تهدر حقوق المسيحيين بعد الاعتداءات الطائفية، وبنظام قانوني يجعل بناء الكنائس المحلية في القرى صراعاً مريراً. فبأختصار لكي تحيا مصر، يجب أن يزول هذا “الشكل” من الدولة الذي يسمح بالتمييز وغياب المحاسبة.


ذوبان الفساد والاستبداد
أشار “بِن” إلى أن “من يعيش ليعيش للأبد، لا يخشى الموت أبداً”. والفساد هو “الشكل” الفاني بامتياز. إن الإمبراطورية الاقتصادية الشاسعة للجيش المصري، والتي تعمل دون أدنى شفافية، هي هيكل مبني على الرمال. وكما أشار صندوق النقد الدولي واقتصاديون عالميون، فإن غياب المساءلة يخنق شريان الحياة في الأمة.
إن حب مصر يقتضي إدراك أن المرء لا يمكنه “حب الحياة” إذا لم يكن مستعداً لتحمل “موت” هذا الهيكل الفاسد. إن “الذوبان” الذي يتحدث عنه “بِن” هو التطهير الضروري لكي يحل محله نظام يتسم بالشفافية والكفاءة، حيث تُحدد قيمة المواطن بأمانته وعمله، لا بدينه أو رتبته العسكرية.


التحول الحتمي
تقف مصر عند مفترق طرق حيث “ذوبان شكل قديم” هو السبيل الوحيد لـ “تعاقب شكل جديد”. إن النظام الذي يحكم عبر ما حددته لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب بأنه انتهاكات “ممنهجة”، قد مات روحياً بالفعل.
فهم “بِن”—الذي سُجن بسبب إيمانه—أن الدولة لا تملك السيطرة على “إطار الروح”. إن الشجاعة للتخلي عن طرق الماضي المتمثلة في السلبية والخوف الطائفي هي “طريق وشرط” الحياة الجديدة لمصر. وكما تتردد كلمات “بِن” عبر القرون، فهي تذكرنا بأن دوران عجلة الزمن أمر حتمي؛ يجب أن ينكسر الشكل القديم، لكي تنجح أخيراً مصر الجديدة—مصر القائمة على حب العدل، وحماية الأقليات، وحرية الروح.

Published by H.N.AbdelMalek

Fugitive from Pharaoh, servant of God, seeking Freedom and Peace

Leave a comment