كان لدى كثير من اعضاء تنظيم الضباط الأحرار علاقات و انتماءات سابقة إلى جماعة الإخوان المسلمين الارهابية، لكن تنظيم الضباط الأحرار لم يكن مجرد فرع منشق عن الإخوان. فقد أصبح تنظيمًا مستقلًا ضم ضباطًا متطرفين من اتجاهات مختلفة، منهم إسلاميون وقوميون و اليساريين. لكنهم جميعا فاشلون.
لقد استطاع البكباشي جمال عبد الناصر تجريف مصر من معظم مكتسبات العصر الملكي، فكان بداية عهد الشعارات الضخمة والإنجازات المبالغ فيها. كما أسهم في القضاء على التعددية السياسية والحياة الديمقراطية والحريات العامة، عبر حل الأحزاب وإقامة نظام الحزب الواحد. وفي عهده ارتبطت مصر بمشروع القومية العربية الذي انتهى بالفشل، وتراجعت الهوية المصرية لحساب هوية القومية العربية
·

أما آخر الضباط الأحرار الذين حكموا مصر فهو السادات. وللإنصاف، يُحسب له أنه حاول إصلاح الكثير مما أفسده البكباشي، كما كان أكثر ذكاء من سلفه. غير أنه، في صراعه مع الناصريين ومراكز القوى من الضباط الموتورين، استعان بالإسلاميين ومنحهم مساحة أكبر للحركة.
لكن كل ذلك لم يشفع له؛ فقد انتهى الأمر باغتياله غدرًا في حادث المنصة الشهير. بل إن بعض الروايات والقراءات السياسية تذهب إلى أن السادات ربما تعرّض أيضًا لخيانة أو تواطؤ من بعض رجاله والمحيطين به، وهو ما يظل محل جدل بين المؤرخين.
أما الجيل الثاني من الديكتاتورية العسكرية من الضباط فهو محمد حسني مبارك، والذي ركب موجة “الاستقرار الزائف”. حاول مبارك، لامتصاص الغضب الشعبي، منح هامش مساحة شكلية من الحريات العامة والصحفية، إلا أنه في الحقيقة واصل تكريس نظام الحزب الواحد عبر “الحزب الوطني الديمقراطي”. وفي عهده تحول تجريف المقدرات من المسار الأيديولوجي إلى مسار الفساد الهيكلي وزواج السلطة برأس المال، لتدخل مصر في حالة من الركود الاقتصادي والسياسي، مع استمرار اللعب على حبل “المقايضة” مع الإسلاميين؛ حيث منحهم مساحة أوسع للحركة في الشارع والنقابات والمساجد ليكونوا الفزاعة التي يبرر بها بقاء نظامه الفاشل، حتى انتهى عهده بثورة يناير التى أطاحت به ،
وصولاً إلى الجيل الثالث والذي يمثله عبد الفتاح السيسي، والذي قاد ارتداداً عنيفاً نحو الحكم العسكري القبيح وبقبضة حديدية غير
مسبوقة. إذا كان البكباشي عبد الناصر قد بدأ عهد الشعارات الضخمة، فإن السيسي قد أوصل هذا النهج إلى ذر التاريخية عبر مشروعات العاصمة الادارية والإنشاءات والمشاريع العملاقة المبالغ في جدواها ، والتي أدت في النهاية إلى تجريف كامل للاقتصاد المصري، وإغراق البلاد في ديون طاحنة غير مسبوقة دمرت الطبقة المتوسطة وأفقرت الشعب.لقد قضى السيسى و أذنابه تماماً على أي هامش للحياة الديمقراطية أو هامش الحريات التي تركها سلفه، وأسس لنظام الفرد الواحد الذي يحكم بالقبضة الأمنية الصارمة، ليتحول مشروع “الدولة المخابراتية والأمنية” إلى العلن، محققاً بذلك الفشل الأكبر في إدارة موارد الدولة وتدمير هويتها الاقتصادية والاجتماعية.
